الشيخ العلامه المحدث عبد الله الهرري ... ت 1429 هـ    

 

قال الشيخ العلامه الفقيه المحدث الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي "إن المؤمنين يرون الله في الاخرة، وهذا حق يجب الإيمان به، يرونه بأبصارهم من غير مسافة بينهم وبين الله لا كما يُرى المخلوق، لا يجوز ذلك لأن الذي يكون بينه وبينك مسافة يكون محدودا إما أن يكون اعظم جرما منك او اصغر منك او مثلك، وهذا كله لا يجوز على الله، فلذلك أهل السنة يثبتون رؤية الله في الآخرة من غير تشبيه ولا جهة ولا مسافة، ولا تكون رؤية الله كما يُرى المخلوق، لأن المخلوق إذا رأيته تراه في جهة أمامك، أو في جهة خلفك تلتفت إليه فتنظر إليه، أو في جهة يمينك، أو في جهة يسارك، أو في جهة فوقك، أو في جهة تحتك، أو في جميع الجهات كما إذا كنت ضمن غرفة فإنها محيطة بك، وقد نص على هذا الإمام أبو منصور الماتريدي "كتاب التوحيد ص/ 76" وغيره". شرح العقيدة الطحاوية ص/ 144

 

وقال أيضا "قال أهل الحق نصرهم الله إن الله سبحانه وتعالى ليس في جهة وليس بذي صورة لاختلاف الصور والجهات، واجتماع الكلّ مستحيل لتنافيها في أنفسها وليس بعض الجهات والصُّور أوْلَى من البعض لاستواء الكلّ في إفادة المَدْحِ والنقص، وتخصيص بعض الصور والجهات لا يكون الا بمخصِّص وذا من امارات الحدث، ورفعُ الأيدي والوجوه الى السماء عند الدعاء تعبُّدٌ مَحْضٌ كالتوجُّه الى الكعبة في الصلاة فالسماء قبلة الدعاء كالبيت الذي هو قبلة الصلاة" إظهار العقيدة السنية ص/127- 128

 

وقال أيضا "وأشد شبهة لهم -أي للوهابية- قولهم إنه يلزم من نفي التحيّز في المكان عن الله تعالى كالتحيز في جهة فوق أنه نفي لوجوده تعالى، يقال لهم: ليس من شرط الوجود التحيز في المكان لأن الله تبارك وتعالى كان قبل المكان والزمان والجهات والأجرام الكثيفه واللطيفه، وقد قال رسول الله "كان الله ولم يكن شىء غيره" فأفهمنا ان الله تعالى كان قبل المكان والزمان والنور والظلام والجهات، فإذا صح وجوده قبل هؤلاء وقبل كل مخلوق صحَّ وجوده بلا تحيز في جهة ومكان بعد وجود الخلق. وهذا الحديث الذي رواه البخاري وغيره تفسيرٌ لقول الله تعالى {هُوَ الْأَوَّلُ} فقد وصف ربنا نفسه بالأوّلية المطلقة فلا أول على الاطلاق إلا الله، أما أوّلية بعض المخلوقات بالنسبة لبعض فهي أوّليه نسبيّة. وأنتم أيها المجسمة لما حصرتم الموجود فيما يدرِكه ويتصوره الوهم وهو ما يكون متحيزا في جهة ومكان، فهذا قياس منكم للخالق بالمخلوق، لأن المخلوق لما كان لا يخرج عن كونه جِرما كثيفا أو لطيفا أو صفة تابعة للجرم كالحركة والسكون قطعتم بعدم صحة ما ليس كذلك، فبهذا التقرير بطلت شبهتهم وتمويههم. واعلموا أن أصل مصيبتكـم هو أنكم جعلتم الله جِرما فقلتم لا يصح وجود الله بلا تحيّز في جهة ولم تقبل نفوسكم وجود ما ليس بمتحيز وهو الله تعالى الذي نفى عن نفسه المثل بقوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وخرجتم عما توارد عليه السلف والخلف وهو قولهم "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك" قال هذه العبارة الإمام أحمد بن حنبل والإمام الزاهد الناسك ذو النون المصري وهما كانا متعاصرين، وبمعناه عبارة الشافعي المشهورة "من انتهض لمعرفة مُدبره فانتهى إلى مَوجود ينتهي إليه فِكرُه فهو مشبّهوأنتم يا معشر المشبهة معتقدكم أن الله جِرم حتى قال بعضهم إنه جرم بقدر العرش من الجوانب الأربعة، وقال بعضهم إنه يزيد على العرش وقال بعضهم هو على بعض العرش وقال بعضهم إنه بصورة إنسان طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، وزعيمكم ابن تيمية مرة قال إنه بقدر العرش لا يَفضل منه شىء بل يزيد، ومرة قال إنه جالس على الكرسي وقد أخلى موضعا لمحمد ليُقعدَه فيه، والأول من هذين القولين في كتابه "المنهاج ص 260/ 261" والثاني في "الفتاوى 4/ 374" وكتابه المسمى كتاب العرش الذي اطلع عليه الإمام المفسر النَّحْويّ اللغوى أبو حيان الأندلسي في "النهر الماد: تفسير ءاية الكرسي ج 1/ ص"254، وقال الحافظ أبو سعيد العلائي وهو من رؤوس الأشاعرة في كتابه "ذخائر القصر ص/ 32- 33 مخطوط" أحد مشايخ الحافظ ابن حجر العسقلاني إن ابن تيمية قال إنه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر. وقول الوهابية إن الفطرة في كل إنسان تقضي بأن الله متحيز بجهة الفوق أي العرش منقوض بشواهد الوجود لأن من الناس من يعتقدون أن هذه السماء الدنيا التي لونها الخضرة الخفيفة هي الله، ومن الناس من يعتقد أن الله كتلة نورانية حتى إنه ظهر من بعض الناس المنتسبين للإسلام أن الله في مكة والمدينة، وبعض المشبهة قالوا بأنه في إحدى السموات السبع، ومنهم من بلغت به الوقاحة وهو أحد مشبهة الحنابلة ألف كتابا رتبه هكذا: باب اليدين باب العين ثم باب كذا ثم باب كذا إلى أن قال باب الفرج لم يرد فيه شىء، فيقال للوهابية: يا معشر المشبهة أي هؤلاء على الفطرة التي تزعمون أن الإنسان إذا خُلّي وطبعه يعتقد أن الله متحيز في السماء، وما هي الفطرة التي خلق الله عليها البشر التي هي الصواب والحق؟ إنما الفطرة هي ما وافق العقل والدليل العقلي ووافق التنزيه عن الجِسمية وصفاتها وعوارضها وهذا ما فهمه جمهور علماء الطوائف المنتسبة الى الإسلام. وأما العلو الوارد وصف الله تعالى به فنذكر ما قاله الإمام أبو منصور البغدادي في تفسير الأسماء والصفات ص/ 151 "والوجه الثالث أن يكون العلو بمعنى الغلبة، قال الله عزّ وجلّ {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ}، أي الغالبون لأعدائكم، يقال منه: علوت قرني أي غلبته، ومنه قوله عز وجل {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} أي غلب وتكبر وطغى، ومنه قوله عز وجل {وَأَنْ لَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ} أي لا تتكبروا، وكذلك قوله {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِين} أي لا تتكبروا فإذا كان مأخوذا من العلو فمعنى وصف الله عز وجل بأنه عليٌ أنه ليس فوقه أحد، وليس معناه أنه في مكان دون مكان، وإن كان مأخوذا من ارتفاع الشأن فهو سبحانه أرفع شأنا من أن نشبّه به شيئا" صريح البيان ص/71- 72 - 73

 

وقال أيضا "وحكم من يقول "إنّ الله تعالى في كل مكان أو في جميع الأماكن" التكفير إذا كان يفهم من هذه العبارة أنَّ الله بذاته منبثٌّ أو حالٌّ في الأماكن، أما إذا كان يفهم من هذه العبارة أنه تعالى مسيطر على كل شىءٍ وعالمٌ بكل شىء فلا يكفر. وهذا قصدُ كثير ممن يلهج بهاتين الكلمتين، ويجب النهي عنهما في كل حال". الصراط المستقيم ص/ 26

 

وقال أيضًا "ويكفر من يعتقد التحيُّز لله تعالى، أو يعتقد أن الله شىءٌ كالهواء أو كالنور يملأ مكانًا أو غرفة أو مسجدًا، ونسمّي المساجد بيوت الله لا لأن الله يسكنها بل لأنها أماكن يُعْبَدُ الله فيها. وكذلك يكفر من يقول "الله يسكن قلوب أوليائه" إن كان يفهم الحلولَ. وليس المقصود بالمعراج وصول الرسول إلى مكان ينتهي وجود الله تعالى إليه ويكفر من اعتقد ذلك، إنما القصدُ من المعراج هو تشريف الرسول باطلاعه على عجائب في العالم العلويّ، وتعظيمُ مكانته ورؤيتُه للذات المقدس بفؤاده من غير أن يكون الذات في مكانٍ". الصراط المستقيم ص/ 26